الشيخ الأميني

214

الغدير

فإنهم كانوا بين مباشر لهاتيك الأحوال ، وبين خاذل للمودى به ، وبين مؤلب عليه ، إلى مثبط عنه ، إلى راض بما فعلوا ، إلى محبذ لتلكم الأهوال ، وكان يرن في مسامعهم قوله تعالى : لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . وقوله تعالى : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا . وقوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما . وما جاء في ذلك من السنة أكثر ، وما يؤثر عن نبي العظمة صلى الله عليه وآله وسلم من وجوب دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ، وإن حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا ، فالقوم إن كانوا متعمدين في مخالفة هذه النصوص ؟ فهم فساق إن لم نقل إنهم مراق عن الدين بخروجهم على الإمام المفترض طاعته . أو أن هذه الأحوال تستدعي انحراف الخليفة عن الطريقة المثلى ؟ وأن القوم اعتقدوا بخروجه عن مصاديق تلكم الأوامر والمناهي المؤكدة التي تطابق عليها الكتاب والسنة . وليس من السهل الهين البخوع إلى أي من طرفي الترديد ؟ أما الصحابة فكلهم عدول عند القوم يركن إليهم ويحتج بأقوالهم وأفعالهم ويوثق بإيمانهم ، وقد كهربتهم صحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأخرج درن نفوسهم ، وكان في المعمعة منهم بقايا العشرة المبشرة كطلحة والزبير ، ولطلحة خاصة فظاظات حول ذلك الجلاد ، إلى أناس آخرين من ذوي المآثر نظراء عمار بن ياسر ، ومالك الأشتر ، وعبد الله بن بديل ، وكان بين ظهرانيهم إمام المسلمين أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو المرموق يومئذ للخلافة ، وقد انثنت إليه الخناصر ، والأمة أطوع له من الظل لذيه . أفتراه والحالة هذه سكت عن تلكم الفظايع وهو مطل عليها من كثب وهو أعلم الناس بنواميس الشريعة ، وأهداهم إلى طريقها المهيع ، وهو يعلم أن من المحظور ارتكابها ؟ لا ها الله . أو أنه عليه السلام أخذ الحياد في ذلك المأزق الحرج وهو مستبيح للحياد أو لما يعملون به ؟ أنا لا أدري . وليس من المستطاع القول بأن معظم الصحابة ما كانوا عالمين بتلكم الوقايع ، أو أنهم ما كانوا يحسبون أن الأمر يبلغ ذلك المبلغ ، أو أنهم كانوا غير راضين بهاتيك الأحدوثة ، فإن الواقعة ما كانت مباغتة ولا غيلة حتى يعزب عن أحد علمها ، فإن